صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
338
شرح أصول الكافي
اعلم أنه ثبت في قواعد الاشراقيين ان البارئ تعالى والعقول والنفوس كلها أنوار وانما التفاوت بين الأنوار بالشدة والضعف والكمال والنقص في نفس النورية لا غير وهو تفاوت عظيم جدا . المطلب الرابع : ان معاداة الجاهلين للّه تعالى وأوليائه انما هي بسبب نور العلم وهو قوله عليه السلام : وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون . وبيان ذلك : ان نفوس الجهال وان كانت في أول الفطرة قابلة لنور العلم وظلمة الجهل لكنها بمزاولة الاعمال السيئة والافعال الشهوية والغضبية صارت كالبهائم والسباع مظلمة الذوات ورسخت فيها الجهالات والاخلاق الحيوانية والدواعي السبعية ، ولا شك ان الضدين بينهما غاية الخلاف ، فبالضرورة صارت الجهال بظلمات جهالاتهم أعداء لأولياء اللّه بأنوار علومهم ، ومن عادى وليا من أولياء اللّه فقد عاداه لان نورهم من نور عظمته تعالى ، فثبت ان معاداة الجاهلين للّه تعالى بسبب عظمته ونوره . المطلب الخامس : ان كل من يتقرب إليه تعالى بشيء من الاعمال والافعال والعلوم والأحوال فليس ذلك الا بوسيلة النور العقلي وهو قوله عليه السلام : وبعظمته ونوره ابتغى من في السماء والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والأديان المشتبهة . بيان ذلك : ان الموجودات كلها بحركاتها واعمالها طالبة للكمال ومتشوقة إلى غايتها ومبدئها الفعال ، وقد ثبت ان السبب الغائي هو بعينه ذات السبب الفاعلي ، فهو تعالى بنور عظمته يفعل الموجودات على ترتيبها النزولي الأشرف فالأشرف حتى انتهى إلى المادة الأرضية التي هي اخس الذوات وهي نهاية تدبير الامر ، ثم يترقى بالموجودات من الأدنى إلى الاعلى ومن الحسيات إلى العقليات بالتصفية ومن الأرضيات إلى السماويات بالتصفية والتكميل والتجريد والتنوير إلى أن يبلغ إلى غاية مآلها من القرب بنور عظمته كما أشير إليه بقوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ « 1 » . قال أبو علي بن سيناء في بعض رسائله : ان القشور الكثيفة وان كانت خسيسة فليست باشد خساسة من العدم البحت ، وإعادة ترتيب الحدوث من الحسيات إلى العقليات ليست باصعب على ذي الخلق والامر من ابتدائه بالسوق من العقليات إلى الحسيات ، وليس القشر المتكاثف وان تناهى في الاظلام بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللطيف .
--> ( 1 ) - السجدة 5 .